اللغات

المكتبة

موسكيبيديا

معلومات

الابتكارات

الترشيح
العربية

التواصل والوضوح…أفكار لمساجد المستقبل


نشرت في: يونيو 2, 2018

أ.د مشاري بن عبدالله النعيم

عندما ركزت في المقالين السابقين في فكرة الاتساع والمرونة، التي يشير إليهما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، “جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا”. نبهني الدكتور محمد الحصين إلى أن هناك بعداً آخر مهم ومؤثر مرتبط بهذا الحديث الشريف، يجعل من شعيرة الصلاة ومن المسجد مختلفاً ومؤثراً جداً على مستوى الثقافة الإنسانية، وبالتأكيد هذا التأثير يمتد بشكل عميق إلى عمارة “مساجد المستقبل”، ويمكن أن يساهم في تحديد ملامحها وتوجهاتها. فكون الأرض مسجداً فإن هذا يتيح لكل مسلم أن يمارس الصلاة في وقتها في أي مكان، وهذا يجعله على مسمع ومرأى من الناس في العالم، في البر والبحر والجو، في المسجد والشارع والمدرسة والمصنع. يساند هذا الفكرة أن الصلاة جماعية وفردية، وإن كانت الصلاة الجماعية أفضل بسبع وعشرين درجة، وهي التي تجعل من المسجد ـ مبنى ـ له أهمية وحضور، لكن هذه المرونة العالية في أداء الصلاة تعني أولاً: أهميتها القصوى، وثانياً أنها مرتبطة بمواقيت محددة  “إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا”. وهذا يوجب أن تكون الصلاة فردية وجماعية وأن تؤدى في كل مكان.

المسجد بمفهومه الوظيفي المتحرك يمثل إعلاناً للإسلام، وهذا يندر أصلاً أن يحدث في أي دين آخر أن ينتقل مكان العبادة مع الانسان أينما كان. ولعلنا هنا نتوقف عند هذه الخاصية المهمة التي يعبر عنها المسجد ويفترض أن تنعكس على عمارته. لذا يجب علينا أن نتوقف عند هذه المرونة العالية التي يمثلها المسجد كمبنى وكمكان لأداء الصلاة، وأرى أن نضع هذا في اعتبارنا عند دراسة تاريخ عمارة المسجد، ونتعلم من الذين سبقونا الكيفية التي استطاعوا بها التعامل مع هذه المرونة وهذه المبادئ المهمة التي ساهمت ـ دون شك ـ في الوصول إلى شخصية المسجد التي نعرفها الآن.

لعل الوقفة المهمة التي يفرضها مبدأ “أن تمارس العبادة بوضوح” على مرأى ومسمع من الناس هي أن المسجد في حد ذاته ملتقى اجتماعي، فالصلاة تجمع الناس وتحدد دائرة الحي أو الحارة وتعرف سكانها، وبالتالي؛ فإن وجود المكان الذي تمارس فيه الصلاة هو تحقيق هذا الهدف الاجتماعي المهم، وليس لأن الصلاة لا تتم إلا في مبنى المسجد وهذا أمر مهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم بنى مسجد قباء ثم بنى مسجده في المدينة ليجمع الناس وليكون المسجد هو مركز الدولة الجديدة وليس لوجوب الصلاة في مكان مغطى أو مغلق أو كبير أو صغير. هذه العلاقة المشدودة بين فكرة الاجتماع والتواصل التي يمثلها مبنى المسجد الثابت الذي يشكل “مرجعاً” مكانياً يعود له الناس وبين “الوضوح” أو أن تكون مرئياً ومشاهداً وأنت تمارس الصلاة يكمن فيها كثير من العلاقات البصرية والفراغية التي يجب أن تبحث.

مبدأ الاتساع والحرية المكانية يتفق كلياً مع “أن تكون مرئياً” وأنت تمارس الصلاة، وهذه العلاقة العميقة تؤكد أهمية انفتاح مبنى المسجد وشفافيته، وهذه مسألة مثيرة للجدل لأن بعض يرى أن هذا الانفتاح وهذه الشفافية قد تشغل المصلي عن الصلاة، بينما الأصل في عمارة المسجد هو أن يكون في مكان مفتوح وغير مغلق بشكل كامل، بل يمكن أن يكون مجرد سقف دون جدران إذا كان هذا السقف يؤدي إلى الحماية من العوامل الجوية. السؤال هو: هل يمنع أن تتطور عمارة المساجد كي يُرى المصلون وهم يؤدون صلاتهم؟ وهل سيؤثر هذا في “الخشوع”؟ وهل يفترض أن يكون الخشوع في أماكن مغلقة وصغيرة؟ هذه الأسئلة ـ في حقيقة الأمرـ هي مجال البحث في المكون المعماري لمساجد المستقبل.

كيف يمكن أن تصبح عمارة المسجد إشارة إلى مفهوم الدين الإسلامي البسيط المنفتح على الآخر، فلا يوجد أسرار في العبادة، ويفترض أن عمارة المسجد تعبر عن هذا الفهم العميق في العبادة وفي رسالة الإسلام؛ ولذلك يجب أن لا يوجد أسرار في عمارة المسجد. أن تكون مرئياً وأنت تمارس الصلاة قد يمثل تحدياً مباشراً للحدود الفيزيائية التي عادة ما تصنعها العمارة، وعلى الرغم من أن تاريخ عمارة المسجد خلال الأربعة عشر قرناً الماضية كان فيه محاولات متعددة للانعتاق من تلك الحدود غير الملزمة لبناء المسجد بشكل مغلق، إلا أن الوقت الحالي بتقنياته المتطورة يمكن أن يسمح بتطبيق مثل هذه الأفكار.