اللغات

المكتبة

موسكيبيديا

معلومات

الابتكارات

الترشيح
العربية

هل قد حدث تطور حقيقي في عمارة المساجد؟ – ملاحظات على البرنامج المعماري للمسجد المعاصر


نشرت في: يونيو 28, 2018

الدكتور/ ياسر مجاهد
جامعة نيوكاسل، المملكة المتحدة

تتنافس عمارة المساجد المعاصرة بشكل مستمر لإضفاء بصمة مميزة لها وسط التنوع الكبير الحادث في العمارة العالمية وإطارها الفكري الحاكم. تندرج التوجهات المعاصرة في تصميم المساجد تحت مجموعة مختلفة من ثقافات ممارسة العمارة، من ضمنها العمارة المحلية الدارجة (Vernacular)، والاقتباس ذو النزعة التاريخية (Historicism)، والعمارة الوظيفية العقلانية التقنية، والعمارة الشكلية الأيقونية على سبيل المثال لا الحصر. وفي ظل هذا التنوع، أصبح مجال تصميم المساجد بيئة خصبة للمعماريين ليقوموا باستعراض مهاراتهم التصميمية وفرصة سانحة لهم لتبني لغات معمارية جديدة ومفردات فراغية وشكلية أكثر تركيبية، أصبحت ممكنة مع تطور تقنيات البناء الحديثة والتقدم الملحوظ في الهندسة الإنشائية و تقنيات الحاسوب. ولكن بالرغم من ذلك التطور الشكلي والجمالي الملحوظ، والتعبيرية الرمزية والاستعارية الغنية المستمدة من التراث والفكر الإسلامي، فإن البرنامج المعماري للمساجد (Architectural Brief) لم يتطور بنفس القدر أو بشكل فاعل حقيقي في العصر الحديث. فالمساجد في الأساس هي نموذج نوعي معماري (Architectural Typology) الغرض منه هو تحقيق أهداف فراغية ووظيفة محددة. وسؤالنا هنا هو هل قد حدث تطور حقيقي لهذا النموذج المعماري؟

فإذا تحدثنا بلغة معمارية بحته، يمكننا القول بأن المساجد ما هي إلى فراغ متسع لأداء الصلاة ملحق به بعض المرافق الصغيرة المكملة. هذا التحدي التصميمي المباشر – إلى حد ما – قد أغرى المصممين المعماريين على التركيز بشكل أكبر على الجوانب الفراغية الشكلية والرمزية الاستعارية لعمارة المساجد.  ولكن في حقيقة الأمر، فإن البرنامج المعماري الوظيفي للمسجد يمكن أن يكون (ويجب حقا أن يكون) مصدرا رئيسيا للإبداع في عمارة المساجد. فالبرنامج الوظيفي للمسجد حيوي وشديد الديناميكية، يختلف بشكل واضح على مدى اليوم الواحد والأسبوع وعلى مدار العام في المراسم والأنشطة المختلفة المرتبطة بممارسات الدين الإسلامي. فبشكل رئيسي يقوم المسجد باستضافة الصلوات الخمس اليومية، بالإضافة لصلاة الجمعة والصلوات الموسمية الأخرى كصلاة التراويح والتهجد بشهر رمضان، وصلاة  العيد والجنازة على سبيل المثال. ولا يقتصر المسجد على وظيفة الصلاة فقط، بل هو أيضا فراغ تعليمي لتلقي الدروس الدينية وحلقات قراءة القرآن الكريم ومركز اجتماعي يستضيف موائد الإفطار في رمضان ومراسم إعلان الزواج واحتفالات الأعياد.

ولكل من هذه الوظائف المختلفة خصوصياته واحتياجاته الفراغية واللوجستية الخاصة. ويندرج تحت هذه الاحتياجات، الاحتياجات الخاصة بطبيعة الصلاة في الدين الإسلامي من شكل الصفوف ومراعاة عدم التخطي أو العبور أمام المصلين. أضف إلى ذلك، مشكلات التعامل مع عملية الدخول والخروج لإعداد كبيرة من المستخدمين من الجنسين في فترات زمنية متقاربة على مدار اليوم، ولوجستيات تخزين واستعادة الأحذية بشكل مناسب، والإخلاء الملائم للأعداد الكبيرة بعد صلاة الجمعة مثلا والعيدين، بالإضافة إلى توفير أماكن لصلاة الأطفال بدون التشويش على المصلين وتوفير أماكن لبعض المصلين ممن يحتاجون الصلاة على الكراسي لظروف صحية بدون إرباك صفوف الصلاة. يمكن أيضا أن نضيف إلى ذلك، اللوجستيات المركبة المرتبطة بالجماعة الثانية للمتأخرين عن الصلاة وما ينطوي تحتها من مشكلة التشويش على المصلين أو إعاقة مسار خروج المصلين الذين أتموا الصلاة.

كل هذه الخصوصيات الوظيفية وغيرها تبين مدى تركيبية البرنامج المعماري للمسجد. ولكن على الرغم من هذا التراكب الوظيفي الثري، فإن التعامل مع هذه الخصوصيات الوظيفية يغلب عليه الحلول المرتجلة من قبل المستخدمين وإدارات المساجد. وهي حلول – بشكل عام – تفتقر للنضج والخبرة المعمارية المتخصصة للتعامل مع هذه التحديات الوظيفية.ولكن على الرغم من ذلك، فإن المعماريين قد نأوا بأنفسهم عن هذا البرنامج المعماري المركب والثري واكتفوا باستعمال نفس الخلطة المعمارية المبسطة، ألا وهي: الفراغ المعماري المفتوح. فالمسجد بالنسبة لكثير من المعماريين أضحى مجرد قاعة متعددة الأغراض، تحديها الأساسي هو قضية سعة المصلين. وما حدث مع الوقت هو أن مستخدمي المساجد قد اعتادوا أو كيفوا أنفسهم على هذه الخلطة المبسطة وباتوا يتعاملون معها كأنها الوضع الطبيعي المتوقع والمقبول لتصميم المساجد.

لذلك يتحتم على المعماريين إعادة النظر في تعاملهم مع البرنامج المعماري للمسجد وأن يحتفوا بتركيبيته المميزة من أجل أن يفتحوا الباب لتقديم عمارة جديدة معبرة عن المستخدمين والوظيفة والاحتياج اليومي للمسجد المعاصر— عمارة غير متعالية ثقافيا ومنفصلة عن احتياجات مستخدميها. فعلى مصممي المساجد أن يطوروا تناولهم لقضية عمارة المساجد بأن يضيفوا للثراء الحادث في الجوانب الفراغية والشكلية والرمزية الاستعارية للمسجد المعاصر، مدخلا تصميميا عميقا يستمد ثرائه من الديناميكية الوظيفية للمسجد.