اللغات

المكتبة

موسكيبيديا

معلومات

الابتكارات

الترشيح
العربية

الاطار التشريعي وتوليد الاشكال في عمارة المسجد


نشرت في: نوفمبر 4, 2018

أ.د مشاري عبدالله النعيم

لعل الاطار الأهم في عمارة المساجد هو الجانب التشريعي الذي يمث الآلية المولدة لشكل المسجد بشكل عام. العمارة في الحضارة الإسلامية توصف بأنها “عمارة توليدية”، أي أن الأشكال يتأثر توليدها بإطار تشريعي (فقهي واجتماعي) يحكم علاقة الناس بكل ما يحيط بهم بما في ذلك العمارة. وفي أصول الفقه يوجد إطار واضح للتشريع يمثل الاساس للشريعة الاسلامية، وسوف نحاول هنا أن نعرج على الاطار التشريعي ونبين كيف ساهم في توليد أشكال المساجد والعمارة بشكل عام. يتكون هذا الاطار من: الواجب، والمحرم وغالبا ما يكونا مرتبطان بنصوص واضحة متفق عليها سواء من القرآن أو السنة، ويشكلان “الثابت” المستمر الذي لا يتأثر بالمكان والزمان. بينما توجد ثلاث آليات تشريعية أخرى ساهمت في تطوير العمارة وسمحت لها بتوليد والاشكال وتنوعها وهي: المندوب، وهو المرتبط بسنة مؤكدة والمكروه والمباح، والأصل في الاسلام الإباحة وهو مبدأ أحتوائي عميق يسمح للإنسان بالابداع والابتكار طالما أن هذا لا يتصادم مع نص يحرمه، وهذه النصوص على أي حال محدودة جدا. والثلاث آليات الأخيرة تمثل المتغير والمتحول ولكن داخل كل إطار درجات تراتبية، فهناك مثلا المكروه المطلق والمكروه الذي يقترب من الاباحة وهكذا.

لكن يجب أن نبين دور “العرف” و “التقاليد” في هذا الاطار التشريعي المهم الذي يمكن يمثل إطار فلسفي لفهم عمارة المسجد في الحضارة الاسلامي ويفسر أسباب تطور هذه العمارة. في حقيقة الأمر تحتل الاعراف والتقاليد موضعا غامضا في هذا الاطار التشريعي كونها تختلف من مكان لآخر ومن زمن إلى زمن آخر وبالتالي فإن سطوة هذه الاعراف والتقاليد غير ثابته وغير دائمة لكنها شكلت في زمنها والمكان الذي هيمنت فيه على المجتمع حالة أساسية في تكوين وتوليد وتطور الاشكال المعمارية. وبالطبع هذه الاعراف والتقاليد غالبا ما تلتزم بسلم الاطار الفقهي وتمتزج معه فتصبح آليه للتحريم أو آلية للواجب وتكون أحيانا ضمن المكروه أو المندوب. أي أن الأعراف والتقاليد ظلت على الدوام آلية اجتماعية لتفسير الاطار التشريعي الفقهي.

هذا الاطار التشريعي يجيب لنا على كثير من الأسئلة التي تثار حول عمارة المسجد المعاصر، فإذا كنا نرى أن المسجد في الاصل ليس بحاجة إلى بناء وأن البناء في حد ذاته هو من ضمن المباح سوف نجد كيف أن فكرة البناء تم إيصالها إلى حدها الأعلى عندما بدأت قاعة الصلاة تتحول إلى مبنى رمزي، رغم أن “رمزية المسجد” غير محببة فهو بناء للعبادة يفترض فيها البساطة والتواضع وليس الصرحية monumental والرمزية Symbolic ، ولكن هذا لم يمنع تحول المسجد التدريجي إلى هذه الرمزية التي بلغت أوجها في المساجد العثمانية. حتى المساجد في العهد المغولي في الهند لم تتجه إلى الصرحية والرمزية بينما شيدت الأضرحة مثل ضريح تاج محل وهاميون على مساطب مرتفعة لتعطي الضريح قوة وهيمنة على الفضاء العمراني بينما بني المسجد على طرف الضريح وبشكل أكثر تواضعا ويعطي ظهره للضريح حتى لا يكون أتجاه القبلة باتجاه القبر. كان هناك شيء تشريعيا وثقافيا يمنع من تحول المسجد إلى صرح وإن كان هناك تحايل دائم على هذا المنع ومحاولة مستمرة لاعطاء هذه الصفة الرمزية الغير مرغوب فيها شرعا لكنها غير محرمة.

في الحقيقة أن الاطار التشريعي يوجد حوار ممتع بين الاشكال المحرمة والمكروهة والمحببة وهذا الحوار، كما أرى، كان سببا في تطور الفنون في الحضارة الاسلامية، خصوصا الأشكال الهندسية المجردة، فقد كانت بديلا عن رسومات ذوات الأرواح في الكثير من المناطق التي ساد فيها الإسلام، هذا لا يعني أن الاشكال التي تحمل ذوات الأرواح لم تظهر في الاشكال والرسومات (فناء الاسود في قصر الحمراء كمثال) لكنها لم تكن إلا استثناء لا غير. كما أن بعض عناصر المسجد لم تتطور في مناطق بينما تطورت في مناطق أخرى رغم كراهية بنائها في المساجد، ففي الجزيرة العربية لم تظهر القباب في المساجد إلا في العهد العثماني وما زالت العمارة السائدة للمساجد دون قباب. وهذا يفسر الكثير من التنوع الذي مرت بها عمارة المسجد بشكل عام.

حتى المئذنة التي لم تكن جزءا من عمارة المسجد نشأت ثم تطورت ثم تحولت إلى أداة رمزية وبصرية تعبر عن هوية المكان والعصر وكل هذه التحولات كانت ضمن المباح الذي لم يكن محببا أحيانا للمبالغة التي أعترته لكنه لم يصل في يوم إلى المحرم. إذا كان هناك حد Limit لكل مباح في العمارة وكان هناك حرص على عدم تجاوز هذا الحد وأن حاول البعض الوصول إلى نهايته القصوى وهو ما ولد الاشكال المتنوعة للمساجد في الحضارة الاسلامية. بشكل عام هذا الاطار التشريعي يمكن أن يستخدم كآلية تحليلية نقدية لتطور العمارة في الحضارة الاسلامية وليس فقط لعمارة المساجد، وأنا على يقين أننا نستطيع تطوير أفكارة فلسفية وفكرية نابعة من حضارتنا تمكننا من تطوير عمارة معاصرة غير مقيدة وفي نفس الوقت غير مخالفة للمنهج الفكري والتشريعي الذي يؤطرنا.