اللغات

المكتبة

موسكيبيديا

معلومات

الابتكارات

الترشيح
العربية

هوية المسجد بين المبنى والمعنى


نشرت في: أكتوبر 4, 2018

أ.د مشاري عبدالله النعيم

تمثل “هوية المسجد”، من الناحية الثقافية، أحد الأسئلة الملحة في الوقت الراهن، فهناك من يصر على أن المسجد في حد ذاته يفترض ان تكون له هوية بينما هناك من يرى أن المسجد في شموليته وكليته يمثل هوية للمكان الذي يوجد فيه. بين الهوية الخاصة المرتبطة بمبنى المسجد والهوية العامة المتمثلة في القيمة الرمزية التي يعكسها المسجد على المكان، توجد إشكالات ثقافية/معمارية تقود عمارة المساجد في الوقت الراهن إلى معترك فكري يمثل في اعتقادنا مفصل أساسي في عمارة القرن الواحد والعشرين. هناك من يصر على أن المسجد، كما كان في العصور الاسلامية السابقة، يحمل هويته وطرازه الخاص الذي يعكس العصر والبلد اللذين وجد فيهما، بل ويعبر عن التقنية التي بني بها وأن هذه الهوية شكلت على الدوام “الإحساس” بعمارة المساجد على المستوى الجمالي وشكلت علامة مستمرة تشير إلى التاريخ والمعارف المحلية التي ساهمت في بناء المسجد في وقت بناءه. وبما أن المسجد عادة من المباني التي لا تمس وتحظى باحترام الملوك وحتى الغزاة فإن هويته كمبنى ظلت شاهدا على العصر.

في المقابل، المدرسة التي لا ترى أهمية هوية المسجد كمبنى بل هويته كمعنى يصنع الهوية العامة للمكان تقلل من أهمية الطراز ولا تراه ذا أهمية بل أنها لا تقف عند الارتباط البصري بين شكل المسجد وتاريخ المكان وإن كانت تهتم بالجوانب البيئية/المناخية التي قد يكون تأثيرها عميق على الشكل العام للمسجد. هذه الهوية تمعن في التعميم وتتجه إلى الأصول التي نشأ منها المسجد وهي أصول لم تكن مادية مباشرة وإن كانت مرتبطة بالتوجيه والتنظيم الفراغي، وهي تنكر كل الاشكال التاريخية التي عبرت عن عمارة المسجد كمراجع وأسس تحكم عمارة المسجد في المستقبل. أنه إنكار لسلطتها المرجعية وليس لقيمتها التاريخية وبالتالي تظل هذه الاشكال التاريخية ذات أهمية كونها أحد مظاهر التعبير عن عمارة المسجد فقط لكنها لا تحمل “الصفة المعيارية” التي تحدد ماهية المسجد.

سوف اتناول موضوع هوية المسجد من خلال اربع توجهات يمكن النظر للهوية من خلالها. الأول: الهوية المعيارية Normative Identity وهي الهوية الغالبة والمسيطرة على الأذهان تقريبا وترى أن صورة المسجد تشكلت تاريخيا وأصبحت ضمن مكون الذاكرة الجمعية ولا تتحقق هوية المسجد إلا باستعادة هذا الشكل التاريخي. وبالطبع فإن محاولة تجاوز هذه الهوية تواجه صعوبات عدة في ممارسة العمارة المعاصرة وبالتالي يتطلب الأمر فهم أكبر لأسباب نشأة هذه الهوية وتجذرها في الذهنية الإنسانية. الاتجاه الثاني: الهوية النسبية Relativistic Identity وهي هوية “ديناميكية” ترى أن المسجد يمكن أن التعبير عنه بأشكال معمارية جديدة تتماشى مع روح العصر وليست بالضرورة مرتبطة بالاشكال التاريخية. هذه الهوية تعبر عن المحاولات المعاصرة وهي أكثر ارتباطا بفكرة “التراث الموازي” الذي تحدثنا عنه في مقالات سابقة وبالتالي سيكون لنا وقفات قادمة لشرح هذه الهوية بالتفصيل. الاتجاه الثالث: الهوية من الداخل Identity Within وهي تعني المحددات التي تجعل من المسجد مكانا للصلاة بصرف النظر عن كيف ينظر الآخرون لهذا المبنى الذي تقام فيه الصلاة. أما الإتجاه الرابع: فهو “الهوية من” Identity Off أي كيف ينظر الآخرون للمسجد وكيف يعرفونه كمبنى على أنه مسجد. كل مستوى أو إتجاه للهوية هنا يضئ جانب مهم من عمارة المسجد يفترض أننا نقوم بدراسته دراسة وافية.

في الحقيقة أحببت أن أنقل النقاش في موضوع هوية المسجد إلى بعد آخر وأن أحاول أن أوجد مجموعة علاقات بين اتجاهات الهوية الاربعة وأن أختبر تأثيرها على عمارة المسجد في المستقبل.

 

من هذه الهويات الأربع يمكن أن نطور إطار نقدي نفهم من خلاله حالة عمارة المساجد المعاصرة والاتجاهات الفكرية التي ينتهجها المعماريون في كل مناطق العالم. الهوية الأولى: هي المعيارية من الداخل تركز على المخزون التاريخي الذي ساهم في تطوير عناصر المسجد المعروفة كالصحن والقبة والعقود والمحراب والمئذنة وتهتم بالزخارف والانماط التي تطورت تاريخيا وتعتبرها هي الدلالات الأساسية التي تعبر عن عمارة المسجد عبر الزمن لأنها لا تكتفي بقيمتها كعناصر وظيفية بل بقيمتها كصور وسمات تحدد هوية العناصر نفسها. الهوية الثانية: وهي الهوية المعيارية من الخارج، وهي كيف ينظر الناس سوء داخل المحيط الاسلامي أو خارجه لعمارة المسجد من الناحية التاريخية وما هي اللغة التي يستطيعون بها تعريف المسجد وبالطبع في هذه الهوية تظل اللغة هي التاريخية التي تشكلت خلال القرون الفائتة. الهوية الثالثة: وهي الهوية النسبية من الداخل، وهي تؤكد على أن جميع العناصر التاريخية التي تشكل منها المسجد تاريخيا ماهي إلا تفسيرات واجتهادات فرضتها الظروف التقنية والاقتصادية والمعرفية في فترة نشأتها وتطورها وأن هذه العناصر لا تشكل أي مرجعية لتحديد ماهية المسجد من الداخل. الهوية الرابعة: وهي الهوية النسبية من الخارج، وتركز على كيف ينظر العالم في الوقت المعاصر للمسجد وكيف سينظر له في المستقبل، أنها هوية ديناميكة متحولة تعبر عن روح العصر.

عندما أحاول أن أربط بين فكرة هوية المسجد ونظرية “التراث الموازي” أجد أن الهوية النسبية من الداخل ومن الخارج هي التي تعبر عن التراث الموازي بشكل أوضح، وإن كانت بحاجة للمزيد من التوضيح في المستقبل، فإلى أي مدى تحترم الهوية النسبية لعمارة المسجد الأصول والجذور والمنابع التي حددت ماهية المسجد، وكيف يمكن أن تعبر عن هذه الجذور بأشكال معاصرة يمكن فهمها وقرآءتها والتعرف على المسجد من خلالها، كلها تحديات تواجه بناء الافكار الجديدة في عمارة مسجد المستقبل.