اللغات

المكتبة

موسكيبيديا

معلومات

الابتكارات

الترشيح
العربية

عمارة المسجد: الإتصال والانفصال الحضاري


أ.د مشاري عبدالله النعيم
أغسطس 10, 2018

من الواضح وجود انقطاع لدور المسجد كمركز لفنون العمارة في الحضارة العربية والاسلامية المعاصرة ويظهر أن هذا الإنقطاع بدأ منذ قرنين وبالتحديد في القرن النصف الأول من القرن التاسع عشر وأخذ في التصاعد حتى وصلنا إلى حالة من عزلة المسجد عن السياق المعماري العام وأصبحت عمارة المسجد ليست ذات تأثير حقيقي على إنتاج الفنون البصرية والانشائية. قد نحتاج إلى دراسة تاريخية تفصيلية لتاريخ عمارة المساجد خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، هذا ما لفت إليه الإنتباه الدكتور خالد عزب في الندوة التي عقدتها جائزة عبداللطيف الفوزان مع مكتبة الإسكندرية يوم 25 يوليو 2018م، فقد أكد على أنه لا يوجد توثيق حقيقي ومنهجي للمساجد التي بنيت خلال القرنين الأخيرين مع أن أغلب مساجد العالم بنيت في المئتين سنة الأخيرة. إذا نحن نوجه أزمة معلومة وأزمة تراجع في التأثير الحضاري المعماري لعمارة المساجد المعاصرة كما أننا نعاني من تراجع واضح في القيمة المهنية والحرفية وبالتالي الإقتصادية لعمارة المسجد.

عبر التاريخ الإسلامي كان لعمارة المساجد تأثير مهني وحرفي عميق وبالتالي كانت هناك مجموعة صناعات قائمة على هذه العمارة وكان لذلك تأثير اقتصادي مهم شجع على تطوير الحرف الفنية البصرية لمئات السنين، أي أنه كان هناك مجتمع حرفي نشأ وتطور وعمل على تطوير الافكار والابتكارات من جل تطوير عمارة المساجد عبر التاريخ الاسلامي، وكان لوجود هذا المجتمع تأثير في تطوير العلوم الأخرى وتطوير العمارة بشكل عام. لم يتوقف تأثير عمارة المساجد على هذا الجانب المهني والحرفي الذي صنع موجات متلاحقة من الابتكارات في الفنون والنظم الانشائية وأنشئ سوقا اقتصادية ظلت قائمة ومؤثرة لقرون عدة، بل أن التأثير أمتد أفقيا كي يشكل مدارس فنية معمارية شملت نماذج المباني الأخرى. نحن نعتقد أن عمارة المسجد كانت هي مركز العمارة في الحضارة الإسلامية لأنها كانت منبع الإبتكار ومحرك للإقتصاد والمتتبع لتطور العمارة في هذه الحضارة سوف يجد أن كثير من العناصر والافكار بدأت من المسجد وأنتقلت إلى نماذج العمارة الأخرى.

السؤال هو لماذا توقف كل هذا المد من التأثير الابداعي والاقتصادي؟ وكيف تم عزل المسجد عن السياق المعماري العام؟ هذه أسئلة نقدية محورية تقتضي إعادة التفكير في نشأة وتركيب العمارة المعاصرة وكيف ساهمت التحولات المهنية “المؤسسية” و”التقنية” في دفع المسجد بعيدا عن تأثيره الابداعي والاقتصادي السابق. في اعتقادي ان الأزمة حضارية بشكل عام وليست أزمة عمارة المساجد، فالاشكالية تمتد إلى المنتج الحضاري والمعماري العام ودورنا المعاصر في الحضارة الانسانية وتقلص تأثيرنا التقني والفني والاقتصادي على مستوى منتجنا المحلي وبالتالي تراجع تأثيرنا بشدة على مستوى العالم، ونتيجة لذلك فإن أول عنصر سوف يتأثر بهذا التراجع هو العنصر الذي كان له تأثير عميق في توليد الابتكارات والتقنيات وبناء المجتمع الحرفي والاقتصادي وهو المسجد. قد يكون هذا التعليل بحاجة إلى المزيد من الدراسة ورصد الأمثلة وقد يكون هناك أسباب أخرى أدت إلى هذا التراجع لكن بكل تأكيد هناك إشكالية تستحق الدراسة والبحث.

أحد مبرارات تأسيس جائزة عبداللطيف الفوزان لعمارة المساجد هو إستعادة دور المسجد كأهم عنصر معماري في الحضارة الإسلامية في توليد الفنون والابتكارات الفنية الإنشائية والبصرية وخلق مجتمع مهني يركز على عمارة المسجد وتطوير الحرف والفنون المرتبطة بعمارته. بالطبع نحن نعلم أن هذا الهدف ليس سهلا وأنه بحاجه إلى عمل يشمل طبقات عدة تبدأ بالتوثيق وبناء المخزون المعرفي وهذا سيتم من خلال بناء 3 مشاريع معلوماتية رقمية عملاقة هي “موسكبيديا” أو الموسوعة الرقيمة للمساجد حول العالم و “أسفار” المكتبة الرقمية العلمية لكل ما نشر حول عمارة المساجد و “منابر” قاعدة المعلومات الرقيمة التي تجمع المهتمين بعمارة المساجد من معماريين وحرفيين وتقنينن وأكاديميين وكتاب ومؤسسات حول العالم. كما أن الجائزة تهتم ببناء المجتمع المهني من خلال منح 10 جوائز لأفضل الممارسات في عمارة المساجد المعاصرة حول العالم وقيمة مجموع الجوائز يصل إلى مليون دولار تقدم كل ثلاث أعوام. يضاف إلى ذلك أن الجائزة تهتم ببناء الجانب الفكري والعلمي من خلال مشاركتها مع مؤسسات مرموقة في البحث العملي والتدريب والتعليم الخاص بعمارة المساجد. هذه الثلاث جوانب الاساسية هي باكورة المشروع الحضاري الذي يهدف إلى إعادة الوصل الحضاري الحضاري لعمارة المساجد في السياق المعماري العام حول العالم.