اللغات

المكتبة

موسكيبيديا

معلومات

الابتكارات

الترشيح
العربية

عمارة المساجد في المشرق والمغرب : بين الوحدة والتنوع (١)


الأستاذ الدكتور عبد العزيز صلاح سالم
أغسطس 16, 2018

إن الإسلام الذي فتح آفاقاً جديدة في سبيل حرية الإنسان وحقوقه وجاء بالعدالة، وجمع شمل مختلف المجتمعات تحت ظله، وشرع نظاماً عالميّاً للكون أصبح أيضاً عنصراً مهمّاً أضفى الشكل والروح على فنون عمارة المساجد في مشرق ومغرب العالم الإسلامي كافة بتأثيراته وإشعاعاته وإلهامه، ممّا دفع المعمار المسلم إلى الانفتاح على عمارة الحضارات الأخرى فيتأثر بها في بناء مساجده، وتؤثر في عمائرها المختلفة.

إن عمارة المساجد بجميع سماتها أثر من آثار الرؤية القرآنية والتصور الإسلامي للعقيدة، والحياة والإنسان، ويمكن القول بأن العقيدة الإسلامية كانت هي المحرك الأول وراء كل هذه المظاهر المعمارية والفنية المتنوعة في طرز عمارة المساجد في العالم، لذلك، فإن المبادئ التي بنيت عليها المساجد، والأشكال التي اتخذتها والمضامين التي احتوتها لاشك أنها تتعلق بتعاليم الإسلام وأسسه الفكرية وقيمه الجمالية التي يمكن ردها إلى القرآن الكريم، وسنة النبي (صلى الله عليه وسلم).

وحيث أفاء الله على المسلمين الخير الكثير بعد تكوين دولتهم، فقد شعر الحكام والأثرياء بأن شكر النعمة يقتضي منهم الإنفاق على عمارة المساجد بصفة خاصة، واستجاب لحركة التعمير هؤلاء المعماريون، وأهل الحرف إلى الإجادة والابتكار، ولكن في حدود الخطوط العامة التي رسمها الدين لمعيشتهم بصفتهم مسلمين، فكان تطور عمارة المساجد من وحي القرآن الكريم وسنة النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

فقد كان في خاطر كل معمار مسلم ما حفظ أو سمع أو وعى من آيات كتاب الله العزيز: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } سورة الأعراف، الآية: 32.

ولابد أن كان في خاطر عرفاء البناء والمهندسين والمشرفين على بناء المساجد أيضاً عناية الله سبحانه وتعالى بالزينة فالحياة زينها بالمال والبنين، والسماء بالبروج والنجوم والكواكب والأرض بالإنسان الذي أحسن صورته وبألوان الأزهار والأشجار وسائر المخلوقات، وإنه يطلب من كل عباده أن يتدبروا خلقه، وقوله تعالى: { أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ }. ( سورة ق: 6، 5)

وإذا كان الله الخالق البارئ المصور قد أبدع كل هذا الجمال، أفلا يجدر بعباده أن يتعلموا من ذلك الجمال، إنه قد استخلفهم في الأرض وله المثل الأعلى سبحانه، وماذا يفهم المعمار المسلم بعد إيمانه وحرصه على عقيدته من آيات تقول له: { وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } ( سورة يونس، الآية: 61)

ومن هنا تكُمن أهمية دراسة عمارة المساجد بين المشرق والمغرب، في الكشف عن الوحدة المعمارية والتنوع والثراء الزخرفي في عمارة المساجد، وتتبع التأثيرات الفنية المتبادلة بين المساجد في المشرق والمغرب الإسلاميين، والتي تمدنا بمعلومات قيمة عن الحياة العمرانية والاجتماعية في المجتمع الإسلامي عبر العصور.

والثابت تاريخيا أن المغاربة وفدوا إلى المشرق الإسلامي على هيئة حجاج، وطلبة علم، وتجار، وزائرين خلال العصور الإسلامية، وأصبحت مصر، والمملكة العربية السعودية خلالها من أهم أقطار المشرق بالنسبة للمغاربة، وقد انتقلت التأثيرات المعمارية والفنية بين عمارة المساجد في المشرق والمغرب من خلال العديد من المنافذ مثل مدينة الإسكندرية، ورحلات الحج، والزيارة، والهجرات العربية، بالإضافة إلى التجارة بين المشرق والمغرب، وكان لذلك أعظم الأثر في نفاذ التأثيرات المتبادلة في عمارة المساجد، فظهرت التأثيرات المشرقية في عمارة المساجد المغربية، كما تأثرت المساجد في مشرق العالم الإسلامي بخصائص حضارة المغرب والأندلس، وتحققت الوحدة في عمارة المساجد من حيث وجود الفناء الأوسط المكشوف، وبيت الصلاة، وكذلك تنوعت خصائصها المعمارية وتفرت في سماتها الزخرفية بين المشرق والمغرب.

3