اللغات

المكتبة

موسكيبيديا

معلومات

الابتكارات

الترشيح
العربية

إطار فلسفي إنساني للمسجد


أ.د مشاري عبدالله النعيم
نوفمبر 12, 2018

في مهرجان جوائز المعماريين العرب الذي نظمته هيئة المعماريين العرب في بيروت في الفترة بين 25-27 نوفمبر 2018م أثير موضوع عمارة المسجد كأحد القضايا المعمارية الملحة في الفكر العربي المعاصر، ويبدو أن هذه العمارة رغم أنها كانت مفصلية في تطور الهوية البصرية العمرانية والفنية في الحضارة الإسلامية إلا أنها تواجه اليوم إشكالية كبيرة نظراً لغياب المرجعيات التي قامت عليها مفاهيم العمارة في الحضارة الإسلامية بشكل عام، وبالتالي تشتت المنتج المعماري وعدم وضوحة، وكذلك عدم ارتباطه بأصوله. هذا الأمر الذي ينطبق على كافة أشكال العمارة في المنطقة العربية والاسلامية، يمكن أن نعيد طرحه بشكل نقدي من خلال عمارة المساجد من خلال العودة لأصول شكل المسجد ومحدداته الوظيفية والتشريعية.

في البداية يجب أن نشير إلى أن محور كل عمارة في الارض هو الإنسان، كما أن الإنسان هو صانع لكل عمارة على وجه الأرض، وبالتالي فإن أصل عمارة المسجد هو تحقيقها للوظائف الانسانية على أكمل وجه مثلها مثل كل مبنى، وإن كان المسجد يتميز بمحددات وظيفية، بيولوجية، ومحددات فلسفية دينية، وتشريعية، وهي التي في النهاية تنتج شكل المسجد النهائي.

إذاً نحن أمام نوعين من المحددات التي تحدد شكل المسجد:
النوع الأول – المحددات النفعية:
وهي غالباً ما تختلف من مكان لآخر، فمثلاً: مساحة قاعة الصلاة ليست ثابته، والعناصر التي يتكون منها المسجد ليست ثابته، فهناك المسجد الصغير الذي تقام فيه الصلوات اليومية، وهناك المسجد الذي يشكل مركزاً للحي وبه مرافق مختلفة، وهناك مساجد الجمعة الكبيرة، وهناك المساجد المركزية وجميعها يعود لأصل المسجد وهو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، هذه المرونة “النفعية” هي أساس عمارة المسجد من الناحية الشكلية، ومن خلالها خرجت جميع الأفكار الفراغية، والبصرية التي جعلت من أنماط المسجد متعددة، ومختلفة حتى في المكان الواحد، فمثلاً: نجد أن مساجد الحارات في مدينة بخارى الأوزبكية تتراوح مساحاتها بين 8×8 و 10×10 م، وبارتفاع يتراوح بين 12 إلى 18متر، وغالباً ما يكون لها رواق خشبي من جهتين ملاصقتين لقاعة الصلاة، بينما يحيط بصحن المسجد سور له بوابة تحتوي على مرافق المسجد، هذه المساجد دون مآذن لكن لها في كثير من الأحيان قبة عظيمة وهي دون أعمدة في الداخل.

لو قارنا بين مساجد الحارات في مدينة بخارى وبين مساجد الحارات في البلدات النجدية سوف نجد أن الأمر قد أختلف كلياً فقاعة الصلاة في المساجد النجدية عبارة عن سقيفة بصف أو صفين من الأعمدة مفتوحة على صحن المسجد المحاط بسور، ويوجد فيه سلم (درج) واضح يقود إلى سطح السقيفة الذي يستخدم في أمسيات الصيف كمكان للصلاة، ويعلو سطح السقيفة مئذنة إسطوانية أو مربعة الشكل، ويوجد بالمسجد عادة خلوة في القبو لكنها أحياناً تكون بجانب الفناء تستخدم للصلاة في ليالي الشتاء، كلا المسجدين من الناحية الوظيفية يقومان بنفس الوظيفة على أكمل وجه، لكن تفسير الوظيفة من الناحية المعمارية إختلف كلياً لأن مساحة الاجتهاد واسعة ويمكن استيعابها في عمارة المسجد، ولو أوردنا أمثلة أخرى للمقارنة في كافة المناطق التي لها تاريخ طويل مع عمارة المسجد سوف نكتشف سلسلة من التطورات التي تؤكد أن عمارة المسجد مرنة جداً وتستوعب الأفكار الجديدة بسهولة.

النوع الثاني – المحدد التشريعي:
والمقصود هنا أن هناك إطار تشريعي، كما ذكرنا في المقال السابق، يحكم الإطار النفعي ويحدد الحدود التي يجب أن يقف عندها الاجتهاد، هذا الإطار في مجمله لا يمنع الابتكار والإبداع لكنه دون شك يضع حدود عامة، وحدود خاصة وفي الغالب تسمح الحدود العامة بالاجتهاد دون أن تصل للمنوع والمحرم، ومن المعروف أن الزخارف في المساجد غير مرغوب فيها وقد تقع ضمن المكروه الغير محرم، ونستطيع هنا أن نبين فكرة مرونة الإطار التشريعي من خلال نفس المثالين اللذان ذكرناهما في الأعلى، ففي مساجد الحارات في بخارى الأوزبكية نجد مبالغة واضحة في استخدام الزخرفة حتى لا يكاد جزء من الجدار يترك فارغاً مع استخدام القبب العالية المزخرفة، بينما مساجد نجد تكاد تخلو من الزخارف والقبب وهي بسيطة جداً لكنها تؤدي نفس الوظيفة التي تؤديها مساجد الحارات في بخارى، ما نود أن نؤكد عليه هنا أن الإطار التشريعي في الغالب يحكم الحدود بين المباح والمحرم ويحدد الواجب لكنه يتيح الفرصة بشكل كامل للاجتهاد والإبداع والابتكار وهذا ما حصل في كل الفترات التاريخية التي مرت بها عمارة المساجد في الحضارة الإسلامية.

وهذا يعطينا دون شك تصور عن عمارة مسجد المستقبل التي يجب أن تكون مرنة لكنها تقف عند الحدود التي لا توقعها في المحظور، وهي حدود بعيدة،

ومساحة الاجتهاد فيها واسعة، وكبيرة، ويجب أن نعي أن المسجد يحكمه إطار إنساني وغالباً ما يتمثل الإنسان في جوانبه الروحية، وجوانبه المادية، فإذا كان الإنسان يعبر عن أفكاره، وعن رغباته بالجوانب المادية كذلك هو يريد من خلال هذه الجوانب المادية إرضاء جوانبه الروحية، لذلك فإن عمارة المسجد كإطار إنساني يجب أن تعمل ضمن هذه الدائرة التي توازن بين المادة، والروح، وهذا أمر لا يحكمه العامل النفعي، أو العامل التشريعي، فهو مزيج متوازن محكوم بالمكان بالزمان لذلك يمكننا القول هنا: “لكل زمان رجاله ولكل مكان مساجده”.

4